أحمد بن علي القلقشندي

71

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أهلها ، عرّفهم اللَّه عوارف الأداء ، وأوزعهم شكر نعمة هذا الفتح الرّبّانيّ الذي تفتّحت له أبواب السماء ، وأنشرت ( 1 ) معجزاته ميّت الرجاء في هذه الأرجاء . سلام كريم ، طيب برّ عميم ، تنشق منه نفحات الفرج ، عاطرة الأرج ، ورحمة اللَّه وبركاته . أما بعد حمد اللَّه فاتح أبواب الأمل بعد استغلاقها ، ومتدارك هذه الأمة المحمديّة بالصّنع الذي تجلَّى لها ملء أحداقها ، والرحمة التي مدّت على النّفوس والأموال ، والحرمات والأحوال ، ضافي رواقها ، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي دعوته هي العروة الوثقى لمن تمسك باعتلاقها ( 2 ) ، وأقام على ميثاقها ، ذي المعجزات التي بهرت العقول بائتلاقها ، الذي لم ترعه في اللَّه الشدائد على اشتداد وثاقها ، وفظاعة مذاقها ، حتّى بلغت كلمة اللَّه ما شاءت من انتظامها واتّساقها ، والرضا عن آله وصحبه ، وعترته وحزبه ؛ الفائزين في ميدان الدنيا والدين بخصل ( 3 ) سباقها . فإنا كتبناه إليكم - كتب اللَّه لكم شكرا لنعمه ، ومعرفة بمواقع كرمه ، من حمراء غرناطة - حرسها اللَّه - ولا زائد بفضل اللَّه سبحانه إلا ما أمّن الأرجاء ومهّدها ، وأنشأ معالم الإسلام وجدّدها ، وأسّس أركان الدين الحنيف وأقام أودها ، وأنتم الأولياء الذين نعلم منهم خلوص الأهواء ، ونتحقّق ما عندهم من الخلوص والصّفاء . وإلى هذا فقد علمتم ما كانت الحال آلت إليه من ضيقة البلاد والعباد بهذا الطاغية الذي جرى في ميدان الأمل جري الجموح ، ودارت عليه خمرة النّخوة والخيلاء مع الغبوق والصّبوح ، حتّى طفح بسكر اغتراره ، ومحّص المسلمون على يديه بالوقائع التي تجاوز منتهى مقداره ، وتوجّهت إلى استئصال الكلمة مطامع أفكاره ، ووثق بأنّه [ يطفئ ] ( 4 ) نور اللَّه

--> ( 1 ) أنشر اللَّه الموتى ، ونشرهم : أحياهم بعد موتهم ، ومنه النّشور . ( 2 ) اعتلاقها : حبها . من اعتلقه واعتلق به : أحبه حبا شديدا . ( 3 ) خصل الهدف خصلا : أصابه . ( 4 ) الزيادة من « ريحانة الكتاب » .